فصل: فصل: لو وجب الحد على ذمي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المغني **


فصل‏:‏

وإذا قذف رجل رجلا‏,‏ فقال آخر‏:‏ صدقت فالمصدق قاذف أيضا في أحد الوجهين لأن تصديقه ينصرف إلى ما قاله بدليل ما لو قال لي عليك ألف‏,‏ فقال‏:‏ صدقت كان إقرارا بها ولو قال‏:‏ أعطني ثوبي هذا فقال‏:‏ صدقت كان إقرارا وفيه وجه آخر لا يكون قاذفا وهو قول زفر لأنه يحتمل أن يريد بتصديقه في غير القذف ولو قال أخبرني فلان أنك زنيت لم يكن قاذفا سواء كذبه المخبر عنه أو صدقه وبه قال الشافعي‏,‏ وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال أبو الخطاب‏:‏ فيه وجه آخر أنه يكون قاذفا إذا كذبه الآخر وبه قال عطاء‏,‏ ومالك ونحوه عن الزهري لأنه أخبر بزناه ولنا أنه إنما أخبر أنه قد قذف فلم يكن قذفا كما لو شهد على رجل أنه قد قذف رجلا‏.‏

فصل‏:‏

وإن قال‏:‏ أنت أزنى من فلان‏,‏ أو أزنى الناس فهو قاذف له وهل يكون قاذفا للثاني‏؟‏ فيه وجهان أحدهما‏:‏ يكون قاذفا له اختاره القاضي لأنه أضاف الزنا إليهما وجعل أحدهما فيه أبلغ من الآخر‏,‏ فإن لفظة أفعل للتفضيل فيقتضي اشتراك المذكورين في أصل الفعل وتفضيل أحدهما على الآخر فيه‏,‏ كقوله‏:‏ أجود من حاتم والثاني‏:‏ يكون قاذفا للمخاطب خاصة لأن لفظة أفعل قد تستعمل للمنفرد بالفعل كقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدي‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 35‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فأي الفريقين أحق بالأمن‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 81‏]‏‏.‏ وقال لوط‏:‏ ‏{‏بناتي هن أطهر لكم‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 78‏]‏‏.‏ أي‏:‏ من أدبار الرجال ولا طهارة فيهم وقال الشافعي‏,‏ وأصحاب الرأي‏:‏ ليس بقذف للأول ولا للثاني إلا أن يريد به القذف ولنا أن موضوع اللفظ يقتضي ما ذكرناه فحمل عليه‏,‏ كما لو قال‏:‏ أنت زان‏.‏

فصل‏:‏

وإن قال‏:‏ زنأت مهموزا فقال أبو بكر وأبو الخطاب‏:‏ هو قذف لأن عامة الناس لا يفهمون من ذلك إلا القذف فكان قذفا‏,‏ كما لو قال‏:‏ زنيت وقال ابن حامد‏:‏ إن كان عاميا فهو قذف لأنه لا يريد به إلا القذف وإن كان من أهل العربية‏,‏ لم يكن قذفا لأن معناه في العربية طلعت فالظاهر أنه يريد موضوعه ولأصحاب الشافعي في كونه قذفا وجهان وإن قال زنأت في الجبل فالحكم فيه‏,‏ كما لو قال‏:‏ زنأت ولم يقل‏:‏ في الجبل وقال الشافعي ومحمد بن الحسن ليس بقذف قال الشافعي‏:‏ ويستحلف على ذلك ولنا أنه إذا كان عاميا لا يعرف موضوعه في اللغة‏,‏ تعين مراده في القذف ولم يفهم منه سواه فوجب أن يكون قذفا‏,‏ كما لو فسره بالقذف أو لحن لحنا غير هذا‏.‏

فصل‏:‏

فإن قال لرجل‏:‏ يا زانية أو لامرأة‏:‏ يا زان فهو صريح في قذفهما اختاره أبو بكر وهو مذهب الشافعي واختار ابن حامد أنه ليس بقذف‏,‏ إلا أن يفسره به وهو قول أبي حنيفة لأنه يحتمل أن يريد بقوله‏:‏ يا زانية أي‏:‏ يا علامة في الزنا كما يقال للعالم‏:‏ علامة ولكثير الرواية‏:‏ راوية ولكثير الحفظ‏:‏ حفظة ولنا أن ما كان قذفا لأحد الجنسين كان قذفا للآخر‏,‏ كقوله‏:‏ زنيت بفتح التاء وبكسرها لهما جميعا ولأن هذا اللفظ خطاب لهما وإشارة إليهما بلفظ الزنا وذلك يغني عن التمييز بتاء التأنيث وحذفها وكذلك لو قال للمرأة‏:‏ يا شخصا زانيا‏:‏ أو للرجل‏:‏ يا نسمة زانية كان قاذفا وقولهم‏:‏ إنه يريد بذلك أنه علامة في الزنا‏,‏ لا يصح فإن ما كان اسما للفعل إذا دخلته الهاء كانت للمبالغة كقولهم‏:‏ حفظة للمبالغة في الحفظ‏,‏ وراوية للمبالغة في الرواية وكذلك همزة ولمزة وصرعة ولأن كثيرا من الناس يذكر المؤنث ويؤنث المذكر ولا يخرج بذلك عن كون المخاطب به مرادا بما يراد باللفظ الصحيح‏.‏

فصل‏:‏

وإن قال لرجل‏:‏ زنيت بفلانة كان قاذفا لهما وقد نقل عن أبي عبد الله‏,‏ أنه سئل عن رجل قال لرجل‏:‏ يا ناكح أمه ما عليه‏؟‏ قال‏:‏ إن كانت أمه حية فعليه الحد للرجل ولأمه حد وقال مهنا‏:‏ سألت أبا عبد الله‏:‏ إذا قال الرجل لرجل‏:‏ يا زاني ابن الزاني قال عليه حدان قلت‏:‏ أبلغك في هذا شيء‏؟‏ قال‏:‏ مكحول قال‏:‏ فيه حدان وإن أقر إنسان أنه زنى بامرأة‏,‏ فهو قاذف لها سواء ألزمه حد الزنا بإقراره أو لم يلزمه وبهذا قال ابن المنذر وأبو ثور ويشبه مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يلزمه حد القذف لأنه يتصور منه الزنا بها من غير زناها لاحتمال أن تكون مكرهة‏,‏ أو موطوءة بشبهة ولنا ما روى ابن عباس ‏(‏أن رجلا من بكر بن ليث أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات فجلده مائة‏,‏ وكان بكرا ثم سأله البينة على المرأة فقالت‏:‏ كذب والله يا رسول الله فجلده حد الفرية ثمانين‏)‏ والاحتمال الذي ذكره لا ينفي الحد‏,‏ بدليل ما لو قال‏:‏ يا نائك أمه فإنه يلزمه الحد مع احتمال أن يكون فعل ذلك بشبهة وقد روي عن أبي هريرة أنه جلد رجل قال لرجل ذلك ويتخرج لنا مثل قول أبي حنيفة‏,‏ بناء على ما إذا قال لامرأته‏:‏ يا زانية فقالت‏:‏ بك زنيت فإن أصحابنا قالوا‏:‏ لا حد عليها في قولها‏:‏ بك زنيت لاحتمال وجود الزنا به مع كونه واطئا بشبهة ولا يجب الحد عليه لتصديقها إياه وقال الشافعي‏:‏ عليه الحد دونها وليس هذا بإقرار صحيح ولنا أنها صدقته‏,‏ فلم يلزمه حد كما لو قالت‏:‏ صدقت ولو قال‏:‏ يا زانية قالت‏:‏ أنت أزنى مني فقال أبو بكر‏:‏ هي كالتي قبلها في سقوط الحد عنه ويلزمها له ها هنا حد القذف بخلاف التي قبلها لأنها أضافت إليه الزنا‏,‏ وفي التي قبلها أضافته إلى نفسها‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ومن قذف رجلا فلم يقم الحد حتى زنى المقذوف لم يزل الحد عن القاذف‏]‏

وبهذا قال الثوري‏,‏ وأبو ثور والمزني وداود وقال أبو حنيفة‏,‏ ومالك والشافعي‏:‏ لا حد عليه لأن الشروط تعتبر استدامتها إلى حالة إقامة الحد بدليل أنه لو ارتد أو جن لم يقم الحد ولأن وجود الزنا منه يقوى قول القاذف‏,‏ ويدل على تقدم هذا الفعل منه فأشبه الشهادة إذا طرأ الفسق بعد أدائها قبل الحكم بها ولنا أن الحد قد وجب وتم بشروطه فلا يسقط بزوال شرط الوجوب‏,‏ كما لو زنى بأمة ثم اشتراها أو سرق عينا فنقصت قيمتها أو ملكها‏,‏ وكما لو جن المقذوف بعد المطالبة وقولهم‏:‏ إن الشروط تعتبر استدامتها لا يصح فإن الشروط للوجوب فيعتبر وجودها إلى حين الوجوب وقد وجب الحد بدليل أنه ملك المطالبة‏,‏ ويبطل بالأصول التي قسنا عليها وأما إذا جن من وجب له الحد فلا يسقط الحد وإنما يتأخر استيفاؤه لتعذر المطالبة به‏,‏ فأشبه ما لو غاب من له الحد وإن ارتد من له الحد لم يملك المطالبة لأن حقوقه وأملاكه تزول أو تكون موقوفة وفارق الشهادة فإن العدالة شرط للحكم بها فيعتبر وجودها إلى حين الحكم بها‏,‏ بخلاف مسألتنا فإن العفة شرط للوجوب فلا تعتبر إلا إلى حين الوجوب‏.‏

فصل‏:‏

ولو وجب الحد على ذمي‏,‏ أو مرتد فلحق بدار الحرب ثم عاد‏,‏ لم يسقط عنه وقال أبو حنيفة‏:‏ يسقط ولنا أنه حد وجب فلم يسقط بدخول دار الحرب كما لو كان مسلما دخل بأمان‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ومن قذف مشركا أو عبدا‏,‏ أو مسلما له دون العشر سنين أو مسلمة لها دون التسع سنين أدب‏,‏ ولم يحد‏]‏

قد ذكرنا أن الإسلام والحرية وإدراك سن يجامع مثله في مثله شروط لوجوب الحد على قاذفه فإذا انتفى أحدها‏,‏ لم يجب الحد على قاذفه ولكن يجب تأديبه ردعا له عن أعراض المعصومين وكفا له عن أذاهم‏,‏ وحد الصبي الذي لم يجب الحد بقذفه أن يبلغ الغلام عشرا والجارية تسعا‏,‏ في إحدى الروايتين وقد سبق ذكر ذلك‏.‏

فصل‏:‏

فإن اختلف القاذف والمقذوف فقال القاذف‏:‏ كنت صغيرا حين قذفتك وقال المقذوف‏:‏ كنت كبيرا فذكر القاضي أن القول قول القاذف لأن الأصل الصغر وبراءة الذمة من الحد فإن أقام القاذف بينة أنه قذفه صغيرا‏,‏ وأقام المقذوف بينة أنه قذفه كبيرا وكانتا مطلقتين أو مؤرختين تاريخين مختلفين‏,‏ فهما قذفان موجب أحدهما التعزير والثاني الحد وإن بينتا تاريخا واحدا‏,‏ وقالت إحداهما‏:‏ وهو صغير وقالت الأخرى‏:‏ وهو كبير تعارضتا وسقطتا وكذلك لو كان تاريخ بينة المقذوف قبل تاريخ بينة القاذف‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ويحد من قذف الملاعنة‏]‏

نص أحمد على هذا وهو قول ابن عمر وابن عباس والحسن‏,‏ والشعبي وطاوس ومجاهد‏,‏ ومالك والشافعي وجمهور الفقهاء ولا نعلم فيه خلافا وقد روى ابن عباس ‏(‏أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في الملاعنة‏,‏ أن لا ترمى ولا يرمى ولدها فعليه الحد‏)‏ رواه أبو داود ولأن حصانتها لم تسقط باللعان‏,‏ ولا يبت الزنا به ولذلك لم يلزمها به حد ومن قذف ابن الملاعنة فقال‏:‏ هو ولد زنا فعليه الحد للخبر والمعنى وكذلك إن قال‏:‏ هو من الذي رميت به فأما إن قال‏:‏ ليس هو ابن فلان يعني الملاعن‏,‏ وأراد أنه منفي عنه شرعا فلا حد عليه لأنه صادق‏.‏

فصل‏:‏

فأما إن ثبت زناه ببينة أو إقرار‏,‏ أو حد بالزنا فلا حد على قاذفه لأنه صادق ولأن إحصان المقذوف قد زال بالزنا ولو قال لمن زنى في شركه أو لمن كان مجوسيا تزوج بذات محرمه بعد أن أسلم‏:‏ يا زاني فلا حد عليه‏,‏ إذا فسره بذلك وقال مالك‏:‏ عليه الحد لأنه قذف مسلما لم يثبت زناه في إسلامه ولنا أنه قذف من ثبت زناه أشبه ما لو ثبت زناه في الإسلام ولأنه صادق والذي يقتضيه كلام الخرقي وجوب الحد عليه لقوله‏:‏ ومن قذف من كان مشركا‏,‏ وقال أردت أنه زنى وهو مشرك لم يلتفت إلى قوله وحد‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وإذا قذفت المرأة لم يكن لولدها المطالبة‏,‏ إذا كانت الأم في الحياة‏]‏

وإن قذفت أمه وهي ميتة مسلمة كانت أو كافرة حرة أو أمة‏,‏ حد القاذف إذا طالب الابن وكان حرا مسلما أما إذا قذفت وهي في الحياة فليس لولدها المطالبة لأن الحق لها‏,‏ فلا يطالب به غيرها ولا يقوم غيرها مقامها سواء كانت محجورا عليها أو غير محجور عليها لأنه حق يثبت للتشفي‏,‏ فلا يقوم فيه غير المستحق مقامه كالقصاص وتعتبر حصانتها لأن الحق لها‏,‏ فتعتبر حصانتها كما لو لم يكن لها ولد وأما إن قذفت وهي ميتة فإن لولدها المطالبة لأنه قدح في نسبه ولأنه بقذف أمه ينسبه إلى أنه من زنا‏,‏ ولا يستحق ذلك بطريق الإرث ولذلك تعتبر الحصانة فيه ولا تعتبر الحصانة في أمه لأن القذف له وقال أبو بكر‏:‏ لا يجب الحد بقذف ميتة بحال وهو قول أصحاب الرأي لأنه قذف لمن لا تصح منه المطالبة‏,‏ فأشبه قذف المجنون وقال الشافعي‏:‏ إن كان الميت محصنا فلوليه المطالبة وينقسم بانقسام الميراث‏,‏ وإن لم يكن محصنا فلا حد على قاذفه لأنه ليس بمحصن فلا يجب الحد بقذفه‏,‏ كما لو كان حيا وأكثر أهل العلم لا يرون الحد على من يقذف غير محصن حيا ولا ميتا لأنه إذا لم يحد بقذف غير المحصن إذا كان حيا فلأن لا يحد بقذفه بعد موته أولى ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الملاعنة‏:‏ ‏(‏ومن رمى ولدها‏,‏ فعليه الحد‏)‏ يعني‏:‏ من رماه بأنه ولد زنا وإذا وجب بقذف ابن الملاعنة بذلك فبقذف غيره أولى ولأن أصحاب الرأي أوجبوا الحد على من نفى رجلا عن أبيه‏,‏ إذا كان أبواه حرين مسلمين أو كانا ميتين والحد إنما وجب للولد لأن الحد لا يورث عندهم فأما إن قذفت أمه بعد موتها وهو مشرك أو عبد‏,‏ فلا حد عليه في ظاهر كلام الخرقي سواء كانت الأم حرة مسلمة أو لم تكن وقال أبو ثور‏,‏ وأصحاب الرأي‏:‏ إذا قال لكافر أو عبد‏:‏ لست لأبيك وأبواه حران مسلمان فعليه الحد وإن قال لعبد‏,‏ أمه حرة وأبوه عبد‏:‏ لست لأبيك فعليه الحد وإن كان العبد للقاذف عند أبي ثور وقال أصحاب الرأي‏:‏ يصح أن يحد المولى لعبده واحتجوا بأن هذا قذف لأمه‏,‏ فيعتبر إحصانها دون إحصانه لأنها لو كانت حية كان القذف لها فكذلك إذا كانت ميتة ولأن معنى هذا أن أمك زنت‏,‏ فأتت بك من الزنا فإذا كان من الزنا منسوبا إليها كانت هي المقذوفة دون ولدها ولنا‏,‏ ما ذكرناه ولأنه لو كان القذف لها لم يجب الحد لأن الكافر لا يرث المسلم والعبد لا يرث الحر ولأنهم لا يوجبون الحد بقذف ميتة بحال‏,‏ فيثبت أن القذف له فيعتبر إحصانه دون إحصانها - والله أعلم - ‏.‏

فصل‏:‏

وإن قذفت جدته فقياس قول الخرقي‏,‏ أنه كقذف أمه إن كانت حية فالحق لها‏,‏ ويعتبر إحصانها وليس لغيرها المطالبة عنها وإن كانت ميتة‏,‏ فله المطالبة إذا كان محصنا لأن ذلك قدح في نسبه فأما إن قذف أباه أو جده أو أحدا من أقاربه غير أمهاته بعد موته لم يجب الحد بقذفه في ظاهر كلام الخرقي لأنه إنما أوجب بقذف أمه حقا له‏,‏ لنفي نسبه لا حقا للميت ولهذا لم يعتبر إحصان المقذوفة‏,‏ واعتبر إحصان الولد ومتى كان المقذوف من غير أمهاته لم يتضمن نفي نسبه‏,‏ فلم يجب الحد وهذا قول أبى بكر وأصحاب الرأي وقال الشافعي‏:‏ إن كان الميت محصنا فلوليه المطالبة به‏,‏ وينقسم انقسام الميراث لأنه قذف محصنا فيجب الحد على قاذفه كالحي ولنا أنه قذف من لا يتصور منه المطالبة‏,‏ فلم يجب الحد بقذفه كالمجنون أو نقول‏:‏ قذف من لا يجب الحد له‏,‏ فلم يجب كقذف غير المحصن وفارق قذف الحي‏,‏ فإن الحد يجب له‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ومن قذف أم النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل مسلما كان أو كافرا‏]‏

يعني أن حده القتل ولا تقبل توبته نص عليه أحمد وحكى أبو الخطاب رواية أخرى‏,‏ أن توبته تقبل وبه قال أبو حنيفة والشافعي‏,‏ مسلما كان أو كافرا لأن هذا منه ردة والمرتد يستتاب وتصح توبته ولنا أن هذا حد قذف‏,‏ فلا يسقط بالتوبة كقذف غير أم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأنه لو قبلت توبته وسقط حده‏,‏ لكان أخف حكما من قذف آحاد الناس لأن قذف غيره لا يسقط بالتوبة ولا بد من إقامته واختلفت الرواية عن أحمد فيما إذا كان القاذف كافرا فأسلم‏,‏ فروي أنه لا يسقط بإسلامه لأنه حد قذف فلم يسقط بالإسلام كقذف غيره وروي أنه يسقط لأنه لو سب الله تعالى في كفره‏,‏ ثم أسلم سقط عنه القتل فسب نبيه أولى ولأن الإسلام يجب ما قبله‏,‏ والخلاف في سقوط القتل عنه فأما توبته فيما بينه وبين الله تعالى فمقبولة فإن الله تعالى يقبل التوبة من الذنوب كلها‏,‏ والحكم في قذف النبي - صلى الله عليه وسلم - كالحكم في قذف أمه لأن قذف أمه إنما أوجب القتل لكونه قذفا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقدحا في نسبه‏.‏

فصل‏:‏

وقذف النبي - صلى الله عليه وسلم - وقذف أمه ردة عن الإسلام‏,‏ وخروج عن الملة وكذلك سبه بغير القذف إلا أن سبه بغير القذف يسقط بالإسلام لأن سب الله تعالى يسقط بالإسلام‏,‏ فسب النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى وقد جاء في الأثر ‏(‏إن الله تعالى يقول‏:‏ شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني‏,‏ أما شتمه إياي فقوله إني اتخذت ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد‏)‏ ولا خلاف في أن إسلام النصراني القائل لهذا القول يمحو ذنبه‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وإذا قذف الجماعة بكلمة واحدة فحد واحد إذا طالبوا‏,‏ أو واحد منهم‏]‏

وبهذا قال طاوس والشعبي والزهري‏,‏ والنخعي وقتادة وحماد‏,‏ ومالك والثوري وأبو حنيفة‏,‏ وصاحباه وابن أبي ليلى وإسحاق وقال الحسن وأبو ثور‏,‏ وابن المنذر‏:‏ لكل واحد حد كامل وعن أحمد مثل ذلك وللشافعي قولان كالروايتين ووجه هذا أنه قذف كل واحد منهم فلزمه له حد كامل‏,‏ كما لو قذفهم بكلمات ولنا قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة‏}‏ ‏[‏النور‏:‏4 ‏]‏‏.‏ ولم يفرق بين قذف واحد أو جماعة ولأن الذين شهدوا على المغيرة قذفوا امرأة فلم يحدهم عمر إلا حدا واحدا ولأنه قذف واحد فلم يجب إلا حد واحد كما لو قذف واحدا ولأن الحد إنما وجب بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه‏,‏ وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف وتزول المعرة فوجب أن يكتفي به‏,‏ بخلاف ما إذا قذف كل واحد قذفا مفردا فإن كذبه في قذف لا يلزم منه كذبه في آخر ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين بحده للآخر فإذا ثبت هذا‏,‏ فإنهم إن طلبوه جملة حد لهم وإن طلبه واحد‏,‏ أقيم الحد لأن الحق ثابت لهم على سبيل البدل فأيهم طالب به استوفى وسقط فلم يكن لغيره الطلب به‏,‏ كحق المرأة على أوليائها تزويجها إذا قام به واحد سقط عن الباقين وإن أسقطه أحدهم‏,‏ فلغيره المطالبة به واستيفاؤه لأن المعرة عنه لم تزل بعفو صاحبه وليس للعافي الطلب به لأنه قد أسقط حقه منه وروي عن أحمد ـ رحمه الله ـ رواية أخرى أنهم إن طلبوه دفعة واحدة‏,‏ فحد واحد وكذلك إن طلبوه واحدا بعد واحد إلا أنه إن لم يقم حتى طلبه الكل‏,‏ فحد واحد وإن طلبه واحد فأقيم له ثم طلبه آخر أقيم له‏,‏ وكذلك جميعهم وهذا قول عروة لأنهم إذا اجتمعوا على طلبه وقع استيفاؤه بجميعهم‏,‏ وإذا طلبه واحد منفردا كان استيفاؤه له وحده فلم يسقط حق الباقين بغير استيفائهم ولا إسقاطهم‏.‏

فصل‏:‏

وإن قذف الجماعة بكلمات فلكل واحد حد وبهذا قال عطاء‏,‏ والشعبي وقتادة وابن أبي ليلى‏,‏ وأبو حنيفة والشافعي وقال حماد ومالك‏:‏ لا يجب إلا حد واحد لأنها جناية توجب حدا‏,‏ فإذا تكررت كفى حد واحد كما لو سرق من جماعة أو زنى بنساء‏,‏ أو شرب أنواعا من المسكر ولنا أنها حقوق لآدميين فلم تتداخل كالديون والقصاص وفارق ما قاسوا عليه فإنه حق لله تعالى‏.‏

فصل‏:‏

وإذا قال لرجل‏:‏ يا ابن الزانيين فهو قاذف لهما بكلمة واحدة‏,‏ فإن كانا ميتين ثبت الحق لولدهما ولم يجب إلا حد واحد‏,‏ وجها واحدا وإن قال‏:‏ يا زاني ابن الزاني فهو قذف لهما بكلمتين فإن كان أبوه حيا فلكل واحد منهما حد‏,‏ وإن كان ميتا فالظاهر في المذهب أنه لا يجب الحد بقذفه وإن قال‏:‏ يا زاني ابن الزانية وكانت أمه في الحياة فلكل واحد حد‏,‏ وإن كانت ميتة فالقذفان جميعا له وإن قال‏:‏ زنيت بفلانة فهو قذف لهما بكلمة واحدة وكذلك إذا قال‏:‏ يا ناكح أمه ويخرج فيه الروايات الثلاث - والله أعلم - ‏.‏

فصل‏:‏

وإن قذف رجلا مرات فلم يحد‏,‏ فحد واحد رواية واحدة سواء قذفه بزنا واحد‏,‏ أو بزنيات وإن قذفه فحد ثم أعاد قذفه نظرت‏,‏ فإن قذفه بذلك الزنا الذي حد من أجله لم يعد عليه الحد في قول عامة أهل العلم وحكى عن ابن القاسم‏,‏ أنه أوجب حدا ثانيا وهذا يخالف إجماع الصحابة فإن أبا بكرة لما حد بقذف المغيرة أعاد قذفه فلم يروا عليه حدا ثانيا‏,‏ فروى الأثرم بإسناده عن ظبيان بن عمارة قال‏:‏ شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة نفر أنه زان‏,‏ فبلغ ذلك عمر فكبر عليه وقال‏:‏ شاط ثلاثة أرباع المغيرة بن شعبة‏,‏ وجاء زياد فقال‏:‏ ما عندك‏؟‏ فلم يثبت فأمر بهم فجلدوا‏,‏ وقال‏:‏ شهود زور فقال أبو بكرة‏:‏ أليس ترضى أن أتاك رجل عدل يشهد برجمه‏؟‏ قال‏:‏ نعم والذي نفسي بيده قال أبو بكرة‏:‏ فأنا أشهد أنه زان فأراد أن يعيد عليه الجلد فقال على‏:‏ يا أمير المؤمنين‏,‏ إنك إن أعدت عليه الجلد أوجبت عليه الرجم وفي حديث آخر‏:‏ فلا يعاد في فرية جلد مرتين قال الأثرم‏:‏ قلت لأبي عبد الله‏:‏ قول على‏:‏ إن جلدته فارجم صاحبك‏؟‏ قال‏:‏ كأنه جعل شهادته شهادة رجلين قال أبو عبد الله‏:‏ وكنت أنا أفسره على هذا حتى رأيته في الحديث‏,‏ فأعجبني ثم قال‏:‏ يقول إذا جلدته ثانية فكأنك جعلته شاهدا آخر فأما إن حد له ثم قذفه بزنا ثان‏,‏ نظرت فإن قذفه بعد طول الفصل فحد ثان لأنه لا تسقط حرمة المقذوف بالنسبة إلى القاذف أبدا بحيث يمكن من قذفه بكل حال وإن قذفه عقيب حده‏,‏ ففيه روايتان إحداهما‏:‏ يحد أيضا لأنه قذف لم يظهر كذبه فيه بحد فيلزم فيه حد كما لو طال الفصل ولأن سائر أسباب الحد إذا تكررت بعد أن حد للأول‏,‏ ثبت للثاني حكمه كالزنا والسرقة وغيرهما من الأسباب والثانية‏:‏ لا يحد لأنه قد حد له مرة‏,‏ فلم يحد له بالقذف عقبه كما لو قذفها بالزنا الأول‏.‏

فصل‏:‏

وإن ادعى على رجل أنه قذفه فأنكر‏,‏ لم يستحلف وبه قال الشعبي وحماد والثوري‏,‏ وأصحاب الرأي وعن أحمد - رحمه الله - أنه يستحلف حكاها ابن المنذر وهو قول الزهري‏,‏ ومالك والشافعي وإسحاق‏,‏ وأبو ثور وابن المنذر لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ‏:‏ ‏(‏ولكن اليمين على المدعى عليه‏)‏ ولأنه حق لآدمي فيستحلف فيه كالدين ووجه الأولى‏:‏ أنه حد‏,‏ فلا يستحلف فيه كالزنا والسرقة فإن نكل عن اليمين لم يقم عليه الحد لأن الحد يدرأ بالشبهات‏,‏ فلا يقضي فيه بالنكول كسائر الحدود‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ومن قتل أو أتى حدا خارج الحرم‏,‏ ثم لجأ إلى الحرم لم يبايع ولم يشار حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد‏]‏

وجملته أن من جنى جناية توجب قتلا خارج الحرم‏,‏ ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه وهذا قول ابن عباس وعطاء‏,‏ وعبيد بن عمير والزهري ومجاهد‏,‏ وإسحاق والشعبي وأبي حنيفة‏,‏ وأصحابه وأما غير القتل من الحدود كلها والقصاص فيما دون النفس فعن أحمد فيه روايتان إحداهما‏:‏ لا يستوفي من الملتجئ إلى الحرم فيه والثانية‏:‏ يستوفي وهو مذهب أبي حنيفة لأن المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن القتل بقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏فلا يسفك فيها دم‏)‏ وحرمة النفس أعظم فلا يقاس غيرها عليها ولأن الحد بالجلد جرى مجرى التأديب‏,‏ فلم يمنع منه كتأديب السيد عبده والأولى ظاهر كلام الخرقي وهي ظاهر المذهب‏,‏ قال أبو بكر‏:‏ هذه مسألة وجدتها مفردة لحنبل عن عمه أن الحدود كلها تقام في الحرم إلا القتل والعمل على أن كل جان دخل الحرم‏,‏ لم يقم عليه حد جنايته حتى يخرج منه وإن هتك حرمة الحرم بالجناية فيه هتكت حرمته بإقامة الحد عليه فيه وقال مالك والشافعي‏,‏ وابن المنذر‏:‏ يستوفى منه فيه لعموم الأمر بجلد الزاني وقطع السارق واستيفاء القصاص من غير تخصيص بمكان دون مكان‏,‏ وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال‏:‏ ‏(‏الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بخربة ولا دم‏)‏ ‏(‏وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل ابن حنظل وهو متعلق بأستار الكعبة‏)‏ حديث حسن صحيح ولأنه حيوان أبيح دمه لعصيانه فأشبه الكلب العقور ولنا قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن دخله كان آمنا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 97‏]‏‏.‏ يعني الحرم‏,‏ بدليل قوله‏:‏ ‏{‏فيه آيات بينات مقام إبراهيم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 97‏]‏‏.‏ والخبر أريد به الأمر لأنه لو أريد به الخبر لأفضى إلى وقوع الخبر خلاف المخبر وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ‏(‏إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر‏,‏ أن يسفك فيها دما ولا يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا‏:‏ إن الله أذن لرسوله‏,‏ ولم يأذن لكم وإنما أذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب‏)‏ وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ‏:‏ ‏(‏إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض‏,‏ وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت إلى حرمتها فلا يسفك فيها دم‏)‏ متفق عليهما فالحجة فيه من وجهين أحدهما‏:‏ أنه حرم سفك الدم بها على الإطلاق‏,‏ وتخصيص مكة بهذا يدل على أنه أراد العموم فإنه لو أراد سفك الدم الحرام لم يختص به مكة‏,‏ فلا يكون التخصيص مفيدا والثاني‏:‏ قوله‏:‏ ‏(‏وإنما حلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرمتها‏)‏ ومعلوم أنه إنما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم فحرمها الحرم‏,‏ ثم أحلت له ساعة ثم عادت الحرمة ثم أكد هذا بمنعه قياس غيره عليه والاقتداء به فيه بقوله‏:‏ ‏(‏فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا‏:‏ إن الله أذن لرسوله‏,‏ ولم يأذن لكم‏)‏ وهذا يدفع ما احتجوا به من قتل ابن حنظل فإنه من رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي منع الناس أن يقتدوا به فيها وبين أنها له على الخصوص وما رووه من الحديث‏,‏ فهو من كلام عمرو بن سعيد الأشدق يرد به قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين روى له أبو شريح هذا الحديث وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن يتبع وأما جلد الزاني وقطع السارق‏,‏ والأمر بالقصاص فإنما هو مطلق في الأمكنة والأزمنة فإنه يتناول مكانا غير معين ضرورة أنه لا بد من مكان‏,‏ فيمكن إقامته في مكان غير الحرم ثم لو كان عموما فإن ما رويناه خاص يخص به‏,‏ مع أنه قد خص مما ذكروه الحامل والمريض المرجو برؤه فتأخر الحد عنه‏,‏ وتأخر قتل الحامل فجاز أن يخص أيضا بما ذكرناه والقياس على الكلب العقور غير صحيح فإن ذلك طبعه الأذى فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله‏,‏ فأما الأذى فالأصل فيه الحرمة وحرمته عظيمة‏,‏ وإنما أبيح لعارض فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات فإن الحرم يعصمها إذا ثبت هذا‏,‏ فإنه لا يبايع ولا يشاري ولا يطعم ولا يؤوي ويقال له‏:‏ اتق الله واخرج إلى الحل ليستوفي منك الحق الذي قبلك فإذا خرج استوفى حق الله منه وهو قول جميع من ذكرناه وإنما كان كذلك لأنه لو أطعم وأوى لتمكن من الإقامة دائما‏,‏ فيضيع الحق الذي عليه وإذا منع من ذلك كان وسيلة إلى خروجه‏,‏ فيقام فيه حق الله تعالى وليس علينا إطعامه كما أن الصيد لا يصاد في الحرم وليس علينا القيام به قال ابن عباس ـ رحمه الله - ‏:‏ من أصاب حدا‏,‏ ثم لجأ إلى الحرم فإنه لا يجالس ولا يبايع‏,‏ ولا يؤوي ويأتيه من يطلبه فيقول‏:‏ أي فلان‏,‏ اتق الله فإذا خرج من الحرم أقيم عليه الحد رواه الأثرم فإن قتل من له عليه القصاص في الحرم وأقام حدا بجلد أو قتل أو قطع طرف‏,‏ أساء ولا شيء عليه لأنه استوفى حقه في حال لم يكن له استيفاؤه فيه فأشبه ما لو اقتص في شدة الحر أو برد مفرط‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ومن قتل‏,‏ أو أتى حدا في الحرم أقيم عليه في الحرم‏]‏

وجملته أن من انتهك حرمة الحرم بجناية فيه توجب حدا أو قصاصا فإنه يقام عليه حدها‏,‏ لا نعلم فيه خلافا وقد روى الأثرم بإسناده عن ابن عباس أنه قال‏:‏ من أحدث حدثا في الحرم‏,‏ أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء وقد أمر الله تعالى بقتال من قاتل في الحرم فقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 191‏]‏‏.‏ فأباح قتلهم عند قتالهم في الحرم ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم حفظا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الحد في الحرم‏,‏ لتعطلت حدود الله تعالى في حقهم وفاتت هذه المصالح التي لا بد منها ولا يجوز الإخلال بها ولأن الجاني في الحرم هاتك لحرمته‏,‏ فلا ينتهض الحرم لتحريم ذمته وصيانته بمنزلة الجاني في دار الملك لا يعصم لحرمة الملك‏,‏ بخلاف الملتجئ إليها بجناية صدرت منه في غيرها‏.‏

فصل‏:‏

فأما حرم مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يمنع إقامة حد ولا قصاص لأن النص إنما ورد في حرم الله تعالى وحرم المدينة دونه في الحرمة فلا يصح قياسه عليه وكذلك سائر البقاع‏,‏ لا تمنع من استيفاء حق ولا إقامة حد لأن أمر الله تعالى باستيفاء الحقوق وإقامة الحد مطلق في الأمكنة والأزمنة‏,‏ خرج منها الحرم لمعنى لا يكفي في غيره لأنه محل الأنساك وقبلة المسلمين وفيه بيت الله المحجوج وأول بيت وضع للناس‏,‏ ومقام إبراهيم وآيات بينات‏,‏ فلا يلتحق به سواه ولا يقاس عليه ما ليس في معناه - والله أعلم - ‏.‏

باب القطع في السرقة‏:‏

والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 38‏]‏‏.‏ وأما السنة‏,‏ فروت عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ‏:‏ قال ‏(‏تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا‏)‏ وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ‏:‏ ‏(‏إنما هلك من كان قبلكم بأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه‏,‏ وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه‏)‏ متفق عليهما في أخبار سوى هذين نذكرها - إن شاء الله تعالى - في مواضعها وأجمع المسلمون على وجوب قطع السارق في الجملة‏.‏